الخطيب الشربيني
374
مغني المحتاج
الماوردي : ليس التقدير بالكعبين في كل الأزمان والبلدان لأنه مقدر بالحاجة والحاجة تختلف ، وبه جزم المتولي ، وقال السبكي : إنه قوي جدا . والحديث واقعة حال يحتمل أن التقدير فيها لما اقتضاه حالها ، ولولا هيبة الحديث وخوفي سرعة تأويله وحمله لكنت أختاره ، لكن أستخير الله فيه حتى ينشرح صدري ، ويقذف الله فيه نور المراد لنبيه ( ص ) اه . والمراد بالأعلى المحيى قبل الثاني وهكذا لا الأقرب إلى النهر . وعبروا بذلك جريا على الغالب من أن من أحيا بقعة يحرص على قربها من الماء ما أمكن لما فيه من سهولة السقي وخفة المؤنة وقرب عروق الغراس من الماء ، ومن هن يقدم الأقرب إلى النهر إن أحيوا دفعة أو جهل السابق منهم ، وهو المعتمد ، وإن قال الأذرعي : ولا يبعد الاقراع . وخرج بضاق ما إذا اتسع : بأن كان يكفي جميعهم فيرسل كل منهم الماء في ساقيته إلى أرضه . ( فإن كان في الأرض ) الواحدة ( ارتفاع ) لطرف منها ( وانخفاض ) لآخر منها ، ( أفرد كل طرف بسقي ) لأنهما لو سقيا معا لزاد الماء في المنخفضة على القدر المستحق ، وطريقه كما في الروضة أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين ثم يسده ثم يسقي المرتفع . والظاهر كما قال السبكي أنه لا يتعين البداءة بالأسفل ، بل لو عكس جاز . ومرادهم أنه لا يزيد في المستغلة على الكعبين ، وصرح في الاستقصاء بالتخيير بين الامرين وهو ظاهر . ولو احتاج الاعلى إلى السقي مرة أخرى قبل وصوله للأسفل قدم . ولو تنازع متحاذيان بأن تحاذت أرضهما أو أرادا شق النهر من موضعين متحاذيين تعينت القرعة إذ لا مزية لأحدهما على الآخر ، وهذا كما قال الأذرعي إذا أحيا دفعة أو جهل أسبقهما ، ولا ينافي هذا ما تقدم من أنه يقدم الاعلى فيما إذا أحيوا معا أو جهل الأسبق لأنه إنما قدم هناك لقربه من النهر ، ولا مزية هنا مع أنه قيل بالاقراع كما مر . ولو أراد شخص إحياء أرض موات وسقيها من هذا النهر ، فإن ضيق على السابق منع من الأحساء لأنهم استحقوا أرضهم بمرافقها والماء من أعظم مرافقها وإلا فلا منع ، وقضية ذلك أنه لا يتقيد المنع بكونه أقرب إلى رأس النهر ، وهو كذلك كما هو ظاهر كلام الروضة خلافا لابن المقري . تنبيه : عمارة هذه الأنهار من بيت المال ، ولكل من الناس بناء قنطرة عليها يمرون عليها وبناء رحى عليها إن كانت الأنهار في موات أو في ملكه ، فإن كانت من العمران جاز مطلقا إن كان العمران واسعا ، وبإذن الإمام إن كان ضيقا ، ويجوز بناء الرحى أيضا إن لم يضر بالملاك وإلا فلا كإشراع الجناح في الشارع فيهما . ( وما أخذ من هذا الماء ) المباح ( في بناء ) أو حوض مسدود المنافذ أو بركة أو حفرة في أرض أو نحو ذلك ، ( ملك على الصحيح ) كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد ، وحكى ابن المنذر فيه بالاجماع ، وقال ابن الصلاح في فتاويه : الدولاب الذي يديره الماء إذا دخل إناء في كيزانه ملكه صاحب الدولاب كما بذلك لو استقاه بنفسه ، والثاني : لا يملك الماء بحال ، بل يكون بحرزه أولى به من غيره . وعلى الأول لو رده إلى محله لم يصر شريكا به باتفاق الأصحاب . وهل يحرم عليه رده لأن فيه ضياع مال كما لو رمى في البحر فلسا فإنه يحرم عليه ؟ ظاهر كلامهم عدم الحرمة . وقد سئلت عن هذه المسألة قبل ذلك وما أجبت فيها بشئ ، وقد ظهر لي الآن عدم الحرمة لما قيل من أن الماء لا يملك بحال . وخرج بالاناء ونحوه الداخل في ملكه بسيل فإنه لا يملكه بدخوله في الأصح ، فلو أخذه غيره ملكه وإن كان دخوله في ملكه بغير إذنه حراما . ومن حفر نهرا ليدخل فيه الماء من الوادي فالماء باق على إباحته ، لكن مالك النهر أحق به ، ولغيره الشرب وسقي الدواب والاستعمال منه ولو بدلو لجريان العرف بذلك . ( وحافر بئر بموات ) لا للتملك بل ( للارتفاق ) بها لنفسه مدة إقامته هناك ، كمن ينزل في الموات ويحفر للشرب وسقي الدواب . ( أولى بمائها ) من غيره فيما يحتاج إليه كسقي ماشيته وزرعه ، ( حتى يرتحل ) لحديث : من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به . أما ما فضل عن حاجته قبل ارتحاله فليس له منع ما فضل عنه لشرب أو ماشية وله منع غيره من سقي الزرع به ، فإذا ارتحل صار البئر كالمحفورة للمارة ، أو لا بقصد شئ ، فإن عاد فهو كغيره . قال الأذرعي : هذا إذا ارتحل معرضا ، أما لو كان لحاجة عازما